الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2020

اتصل بنا

للإتصال بنا أو المساهمة في الموقع

 

  moutakaf.m@gmail.com

إقرأ معي

عدد زوار الموقع

عدد الزيارات
10674

ملتقيات علمية وطنية ودولية

 

إبداعات ¦

في معتقل رقان .. لا أحد يراسلني يا أمي 

قصة ι هارون زنانرة


حين انتزعوني من الفراش الدافيء إلى سلاسلهم الباردة، لم تستطع ذاكرتي المفجوعة حمل أي وجه أو صورة تتعدى العيون المعصوبة بعناية.
وحدها صورة أمي اختزنتها مع الصراخ والصفعات المتتالية..
الليل والمطر واللفظ الفاحش، ثالوث نزف بعنف وغزارة فوق رأسي تلك الليلة، صفعات الجلاد تنهال على الخد المستسلم فتحول لونه إلى عفن في عالم الألوان، التهمة واضحة على غموضها : العفو عن اللحية والانتماء إلى الحزب المحظور. 


شهر واحد من الصلاة بانتظام خلف الإمام في مسجد الحي ألبسني التهمة عن جدارة.
يوم بارد من أيام السنة العاصفة - 1992- الوجهة رقان* .. صفراء فاقع لونها تشتهي التيه والضياع، كثبان تتمايل في تعال، الرمال تصارع الريح والعواصف دون منتصر والخيم منثورة على الفراغ تتواضع خجلة، وجلة أمام هذا الصراع والاصفرار والتعالي.
يوم الحشر دون سابق إنذار.. الجوع والبرد والخوف .. الجلاد حارس خبيث في سجن لا باب له ولا فرصة للهروب منه. 
تتجلى أمامي صورة أمي كما لم تتجل يوما.. بكل التفاصيل المنسية، تفاجئني بانتظام وفوضى.. تباغتني.. تعاتبني .. وداخل الجسد المنهك تبكيني دما ودمعا.
ماذا تفعلين في غيبتي يا أمي؟ الحرقة والنبض القابض على الصدر.. سامحيني أيتها المفجوعة بشغبي منذ ولادتي .. سامحيني إن رميتك للمجهول، تتجرعين القلق والحسرة .. إن قدرت لي العودة لأحضانك .. سأعود طفلا وديعا متنازلا عن الشارب واللحية والرجولة وأشياء أخرى ..
رقان والجلاد والسوط والأنين، ليلة واحدة في المعتقل، صفعة واحدة كادت أن تدخلني عالم النحيب الأبدي، ماذا أفعل ههنا؟؟
القوم من حولي، أقراني في التهمة تتملكهم الحماسة والشعور بتاريخية اللحظة .. وسام يثرون به مستقبلهم النضالي .. يتضاحكون ويبادلون الجلاد التحدي والصمود.
الجلاد .. الآخرون .. عالمان متنافران ..أسود وأبيض وأنا بينهما ضبابي مغيب التفاصيل بشكل غريب تسكنني الحرقة ويتملكني القرف والسأم من كل شيء.
ماذا أفعل في رقان؟؟
بدأت الصلاة منذ شهر، لما بلغت العشرين تحديدا، واظبت على أدائها في المسجد.. لم تهمني خطب الإمام النارية ولا تهجمه على النظام..كنت شغوفا بلحيتي، أعجبني منظري الثوري بمقاس تشي غيفارا في سكونه المستفز..عفوت عنها ..أتحسسها بفخر وأحسب العيون التي ترمقني معجبة تحسدني عليها.
حولي مناضلون وجلاد..ما انتهى الجلاد وما انتهى المناضلون.. وحدها صورة أمي تنتشلني من بينهم إلى عالم الذهول الجميل ..الليل في رقان ستون ساعة والنهار ثمانون أو يزيد ..كذب علماء الفلك أو من عد هذه الخزعبلات...ماذا أفعل في هذا الوقت المتمدد في استرخاء ..أكتب؟ لا أجد ما أكتبه يا أمي.. إن كتبت لا أجد من يقرأ لي أو يقرأني.. أقرأ؟ ماذا أقرأ؟ لا أحد يراسلني هنا يا أمي ..حتى أنت غابت رسائلك ..
المعتقل عالم ورقان عالم حين اتحدا لم يوجدا كاتبا أو قارئا .. بل أوجدا السوط ومحسناته من فاحش اللفظ وسب الملة من أول جد..
رقان يا أمي..لاتراسليني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رقان: معتقل في الصحراء الجزائرية.

أضف تعليق

كود امني
تحديث