الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2020

اتصل بنا

للإتصال بنا أو المساهمة في الموقع

 

  moutakaf.m@gmail.com

إقرأ معي

عدد زوار الموقع

عدد الزيارات
10676

ملتقيات علمية وطنية ودولية

 

تحقيقات ¦

 جهود تطوير الطائرة بدون طيار جزائرية 

 

لقد تحدثت المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي للصحافة الوطنية عن تصميم وتصنيع أول طائرة بدون طيار جزائرية من قبل فريق من الباحثين والمهندسين الجزائريين، وبما أن وسائل الإعلام أعادت الحديث عن هذه التصريحات وأثارت الكثير من ردود الفعل؛ يبدو مفيدا توضيح بعض النقاط المتعلقة بهذا المشروع. 

   قبل أن نقدم تجربتنا بخصوص تطوير (دراسة،  تصميم وانجاز نموذج أولي لطائرة بدون طيار) هذا الأخير باعتبارنا جزءا من مركز البحث في التكنولوجيات الصناعية (CRTI) وتحت وصاية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، يبدو من المناسب إعطاء لمحة عامة عن عالم الطائرات بدون طيار وتطبيقاتها المدنية.

   تعرف الطائرات بدون طيار كآلات طائرة ذات حجم مصغر مقارنة مع الطائرات الكلاسيكية، حيث تكون قادرة على القيام بمهمات بدون تواجد بشري على متنها (مبرمجة أو موجهة عن بعد)، ففي اللغة الإنجليزية تشير كلمة drone إلى ذكر النحل، و ترجع هذه التسمية إلى  بطء هذا النوع من الطائرات و ضجيجه الشبيه بالصوت الذي تحدثه هذه الحشرة أثناء طيرانها. 

    ظهرت الطائرات بدون طيار خلال الحرب العالمية الأولى، حيث إمتلكتها الدول الكبرى في مجال الطيران آنذاك (ألمانيا، بريطانيا، فرنسا والولايات المتحدة)، لكن الانطلاقة الفعلية لهذا النوع من الطائرات كانت مع حرب الفيتنام (1956-1975)، تلاها نشاط كبير لبرامج البحث وتصنيع هذه الطائرات خلال الحرب الباردة.     

    يعتبر هذا الناقل الطائر خلال مهمة ما عنصرا من نظام بأكمله (خلية، محرك، لوحة قيادة، حمولة ضرورية، وقود أو مصدر آخر للطاقة)، فالحديث عن الطائرة بدون طيار يشير ضمنيا إلى غياب الطيار على متنها، بالإضافة إلى ذاتيتها وإعادة استعمالها. 

    من بين المزايا التي سمحت لهذا النظام (الطائرة بدون طيار) باحتلال مكانة متقدمة في عالم الطيران التقليدي، هي إمكانية تصغيرها حتى نتمكن من توسعة مجال عملها وفعاليتها في محيط غير ملائم لتدخل الطيارين البشريين، عندما يتعلق الأمر بمهمات متكررة على مستوى واسع أو في محيط غير صحي  (الأمراض، مواد مشعة، إلخ) أو القيام بمهمات في محيط خطير. 

    إن التطور الذي نعيشه اليوم في ميدان الطيران هو نتيجة للتطورات الحديثة في ميادين مثل الميكانيك، الإعلام الآلي، إختصاص الروبوتات، التصوير المتعلق بالرادار، نقل المعطيات، إلخ. ما سمح ليس فقط بتسريع تطور هذا النوع من الآلات، بل ساهم في حل عدة مشاكل كانت مطروحة في عديد من الميادين مثل: الزراعة الدقيقة (رسم الخرائط، الكشف عن الأمراض، إلخ)، المحروقات، الطاقة، الصناعة (إنجاز البنى التحتية، مراقبة المناطق التي لا يمكن الولوج إليها برا، الكشف عن المشاكل المختلفة إلخ)، البناء (أشغالBTP، تحديد الخبرة، شركات التأمين)، السياحة (تصوير مناظر من الجو لإنجاز الأفلام، عرض الفنادق، إلخ).

     لقد بدأت تجربتنا مع الطائرة بدون طيار في 2010 عندما قدِم فريق من مهندسين شباب (بطالون متخرجون من الجامعة الجزائرية) إلى مقر المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، أين إستقبلهم المدير العام البروفيسور حفيظ عوراق الذي علم برغبتهم في تحقيق حلم ”طائرة  بدون طيار جزائرية“، فهذا الفريق كان يعمل من قبل في شركة خاصة في ميدان الطيران و لكن تجربتهم هذه لم تحقق أهدافها برأيهم. من هنا راودت المدير العام فكرة إنجاز طائرة بدون طيار جزائرية فاتصل بي حتى نفكر معا في الطريقة التي نعيد من خلالها بعث هذه الفكرة. 

   إن أول مقابلة لي مع هؤلاء المهندسين الشباب تركتني أحمل إنطباعا إيجابيا عنهم، فهم شغوفون بالطيران وحاملون لأفكار مجددة تستحق التشجيع والدعم، لذلك إنخرطت في حماسهم بواقعية وصدق.

   فبدأت المغامرة !      

    لقد توجب علينا في مرحلة أولى ضمان مناصب  مالية حتى نتمكن من إدماج هؤلاء المهندسين في مركز البحث خاصتنا، وكذا ضمان أدنى الشروط  من أجل العمل من خلال الحصول على المعدات العلمية الضرورية التي تسمح بإطلاق هذا المشروع، حيث ساهم إلتزام المتعاونين القريبين مني وكل طاقم CRTI بشكل كبير في تقدم هذا المسعى. 

   لقد كان إنطلاق المشروع في الأرضية التكنولوجية في بوسماعيل (تيبازة) التابعة لمركزنا، لكن مركزنا هذا لم يكن يملك كل الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة لهكذا مشروع، وبالخصوص ما يتعلق بتقييم بعض المراحل المحددة لنجاحه. 

   بعد ثلاث سنوات من الدراسة والتصميم والإنجاز، رأى النور نموذج لطائرة بدون  طيار ذو أربعة أمتار سمي ”أمل1“، و أغتنم الفرصة هنا لتقديم تهانيَ والتعبير عن إمتناني لكل فريق ”أمل1“ وعلى رأسهم السيد خراط، الخبير المتمرس، من أجل الجهود الحثيثة ونوعية العمل المنجز. ففي سنة 2010 لم يكن من مهام مركزنا التطوير في مجال الطيران، مع ذلك إنخرطنا  بعزيمة في هذه المغامرة الكبيرة  التي جعلتنا نعمل دون إنقطاع على طول مراحل هذا المشروع. 

 

نموذج الطائرة بدون طيار - أمل 1- 400

 

   في 2013 قمنا ببرمجة سلسلة من الاختبارات على ”أمل1“ في مطار سيدي بلعباس أين جرت الإختبارات على الأرض بنجاح ولكن صعوبات تقنية حالت دون إمكانية إجراء إختبارات الطيران، ولكن كما قال سقراط: «السقوط ليس فشلا لكن الفشل هو أن تبقى حيث سقطت». 

   لقد سمح تنظيم CRTI للمعرض الدولي لـ: UAV للنمذجة والتمثيل في 2014 بوهران بإعداد حصيلة عن أعمال المركز في هذه الميادين وهو الأمر الذي ترجم بإرادة البدء في تصميم جديد لطائرة جديدة تكون تبعا لأمل1.               

      لقد تم التفكير في مشروعنا ”أمل2“ مع البروفسور حفيظ عوراق بالإضافة إلى واحد من الكفاءات الوطنية المستقرة في الخارج، ثم توسع ليشمل مجموع أقسام البحث في مركزنا. لقد بدأنا بوضع إستراتيجية تتضمن الإعتماد على تجربتنا وخبرتنا ضمن مهلة زمنية معقولة وتهيئة نظام طائرة بدون طيار «جهاز طائر، محطة أرضية»  متماشيا مع المستوى العالمي. 

لقد فرضت علينا هذه الوضعية متطلبات كبيرة تمثلت في:

  1. القيام بعرض حال في وقت قصير يسمح لنا بتقييم القدرة القصوى التي يمكن لفريق تقني محلي أن يقدمها.
  2. إستعمال المنتوجات المحلية والمتوفرة في السوق المحلية وعدم اللجوء إلى الاستيراد إلا في حالة الضرورة القصوى.
  3. تكوين فرقة من المهندسين بالموازاة مع إنجاز المشروع.
  4. الدراسة والتصميم الكلي لقطع الغيار النبيلة والإستراتيجية اللازمة للمشروع بدل اللجوء إلى شرائها.  

   لقد كان الهدف من مشاركة أحد الكفاءات الوطنية المستقرة بالخارج في مشروع ”أمل2“ جلب الخبرة العلمية والتسيرية الضرورية لهذا المشروع المعقد ومتعدد الاختصاصات وكثير المركبات التكنولوجية. من البديهي أن هذا المشروع لم يكن ليرى النور لولا إنخراط مهندسين وتقنيين متمرسين وخبراء في إستعمال مختلف الأدوات والتقنيات المرتبطة بالتصميم الميكانيكي والطيران، فعلى سبيل المثال قرر مركز البحث CRTI خاصتنا بمتابعة هذا العمل من خلال إنشاء بنية أخرى متمثلة في UAV (مركبة جوية بدون طيار) بهدف تصحيح مكامن الخلل التي ميزت المشروع الأول، حيث فكرت في البداية بأنه يجب الأخذ بالحسبان الأهداف الرئيسية من خلال الإجابة على سؤالين أساسيين: 

هل يمكن للجزائر أن تمتلك كفاءة في تصميم هكذا أنظمة؟

- هل الموارد البشرية المتوفرة في الجزائر قادرة على توفير مثل هذه الكفاءة؟ 

   في النهاية، هناك مسألة جوهرية متعلقة بإمكانية إستيعاب التعقد الملازم لهكذا مشاريع تكنولوجية فيما يخص التسيير البشري وتسيير المشاريع الخاصة بالطيران. كل هذا كان الهدف منه ضمان تكوينات مؤهلة ومحترفة تستجيب للمتطلبات الوطنية في هذا الميدان.

    لقد سمي المشروع بأمل2 -700 لأن إتساع الجهاز 7 أمتار ووزنه الكلي وهو فارغ 40 كلغ، مع طاقة حمولة  50 كلغ، هذا المشروع الذي تم طيرانه بنجاح في نوفمبر2015 تمت المصادقة عليه مع كاميراتين على متنه. أستطيع القول بأن ”أمل2-700“ يمثل أرضية دراسة أكثر من كونه أرضية منتوج، حيث تمت قيادته بجهاز تحكم راديو ذو نمذجة جوية ، لقد هدفت هذه الأرضية إلى حث وتشجيع هذا الميدان في الوسط الجامعي، فهو إذن بداية لتجربة يود مركز CRTI القيام بها بدعم قوي من المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي. 

 

نموذج الطائرة بدون طيار - أمل 2- 700

 

   لقد قدم الفريق التقني لأمل2 طاقة هائلة من أجل إنهاء هذا المشروع، و قد تكون من مهندسين منتمين إلى المؤسسة بالإضافة إلى خبير وطني في تصميم مكونات الطائرة نور الدين العسكري والذي قام أيضا بدور الطيار في هذه المهمة الحساسة. 

   نحن مقتنعون بأن مشروع ”أمل 2“ الذي سيقدم كأحد المنجزات التكنولوجية في المركز خلال الأبواب المفتوحة: THE APPLIED RESEARCH DAYS المزمع عقدها من 23 إلى 25 جانفي 2016 في مقر CRTI بالشراقة، سيجدب المهتمين والذين يملكون كفاءات في الميدان ويودون المشاركة في إطار مشروع علمي مبني وبناء. 

   تطرح المشاريع العلمية التطبيقية على العموم صعوبات تكنولوجية وتسييرية بالخصوص، فتجميع الكفاءات ليقوموا بعمل واحد يتطلب تنسيقا بين مختلف المتدخلين في الميدان العلمي، التكنولوجي واللوجيستيكي. 

   إذا كان البحث العلمي الأساسي كفاءة متحكم فيها من قبل المخابر الوطنية، فإن التوجه نحو المشاريع العلمية التطبيقية يشكل واحدا من التحديات التي تسمح بكسر الحاجز الذي يعيق المرور من المعرفة إلى توظيف المعرفة وهذا يتطلب بالضرورة إمتلاك إستراتيجية تسييرية وبشرية، لأن مثل هذه المشاريع تتطلب باحثين، مهندسين وإداريين. 

    يمثل المكون التسييري الرابط  الذي يسمح بتجاوز هذه الصعوبة الظاهرة، حتى نركز فقط على الصعوبة الملازمة لهكذا إنجازات علمية. إن تعدد التخصصات يمثل هو الآخر قاعدة لمثل هذه المشاريع، شريطة أن يتعلم الأفراد المنتمون لهذه التخصصات ولمختلف المستويات العلمية كيف يتحدثون ويتقاسمون معارفهم وأفكارهم وهو الدور الأساسي للخبير المسير الذي يلعب دور الرابط، و ذلك بفضل خبرته متعددة التخصصات وتجربته في المشاريع العلمية التطبيقية. لقد سمح لنا اللجوء إلى الخبير الدولي ضمان مكون ناقص يضمن نجاح مشروع علمي مكون من المعرفة (الأساسيات) وإستخدام المعرفة (الكفاءات التكنولوجية) والعيش بهذه المعرفة (العمل الجماعي). 

   لقد سمح لنا البروفيسور س بوعزيز من جامعة باريس-جنوب أورساي بصفته خبيرا في إطار إتفاقية تم إبرامها بين البلدين بجلب هذه الخبرة التسييرية والعلمية ونشرها داخل فريق ”أمل2“ وتسيير هذا المشروع. 

   نحن نعمل في الوقت الحالي على وضع إستراتيجيات جديدة للتكوين والبحث العلمي موجهة نحو مشاريع متعلقة بالطيران وهذا يتطلب بالضرورة تعاونات قوية مع مراكز تكوين وبحث وطنية ودولية.

   ستحمل مؤسستنا هذه الأهداف الوطنية لتشكل أرضية علمية، تكنولوجية وتكوينية في هذا الميدان، وهكذا ستكون إتفاقيات الإطار للتعاون الممضاة من طرف الجزائر والبلدان المتقدمة في ميدان الطيران عنصرا جوهريا في إستراتيجيتنا التنموية.  

 

 Titre original: Le drone algérien a pris son envol

.Pr Mostepha Yahi, EL WATAN, N7694, p 5, mardi 19 janvier 2016

 

لقد تمت ترجمة وإعادة نشر هذا المقال بموافقة إدارة جريدة EL WATAN ، لذلك فإن أي إعادة نشر لم تخضع لموافقتها أو إقتباس غير مشار فيه إلى صاحب المقال وناشره يعد تعديا على حقوق الملكية الفكرية لأصحاب المقال

أضف تعليق

كود امني
تحديث