الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2020

اتصل بنا

للإتصال بنا أو المساهمة في الموقع

 

  moutakaf.m@gmail.com

إقرأ معي

عدد زوار الموقع

عدد الزيارات
10675

ملتقيات علمية وطنية ودولية

 

حديث المثقف¦

حديث ليلى العرباوي

الجزء الثاني

 

 لقد أشرت في مقالك المنشور في مجلة المستقبل العربي (عدد275،1/2002) والمعنون بـ: "إشكالية الثقافة الوطنية في الجزائر"، إلى أن وضع المثقف الجزائري الحالي يرجع إلى علاقة هذا الأخير بالحركة الوطنية والتحاقه المتأخر بثورة التحرير وبقاءه تحت وصاية العسكري والسياسي فيما بعد حرصا على نجاح المشروع التحرري أولا ولضمان التماسك الوطني بعد الإستقلال، كل ذلك على حساب ترتيب البيت الثقافي من خلال تنقيح التراث وموائمته مع الطلب الحالي. ما الذي يمنع المثقف الجزائري الآن من بعث هذا المشروع بعد مرور أكثر من نصف قرن من الإستقلال؟

   أنا من الذين يؤمنون بتنمية التخلف، أي أنه إذا راكمت في لحظة من لحظات تاريخك كفرد أو كمجتمع تخلفا ما في مجال ما فالهوة ستتسع ويصعب ردمها في فترة وجيزة لأن العالم يفترض فيه

ألا يكون متوقفا، ولأنه لا يعقل أن نطلب من أناس أن يدخلو في سباق مع بعضهم البعض وبأن يصلوا مع إعطاء الأسبقية لبعض المتسابقين وهذا ما يحدث معنا، فنحن لدينا هوة حضارية مؤكدة عبارة عن عقبة كأداء تراكمت مع الزمن ولم تعالج في الإبان، لا سياسيا ولا اجتماعيا، لذلك نشعر لحد الآن بأن صوت المثقف إن وجد فهو يبقى خافتا- قد يوجد مثقفون فرادى ولكنهم غائبون كأنتليجنسيا تعي وجودها، لأنها قتلت في البيضة- فقد رأينا خلال الثورة التحريرية كيف كان يتهم من يغرد خارج السرب بالخيانة، وبعد الإستقلال وبدء مشروع بناء الدولة الوطنية استمر نفس الإتهام، بحيث يدان كل من يتبنى موقفا نشازا، فرَبى ذلك لدينا هذه الإمتثالية التي أصبحت ملكة تفكيرية داخل الأسرة، في الشارع، في التدين، في ممارسة الحياة السياسية وحتى في القراءات (قراءة الكتب).

   أنا أتسائل دائما لماذا توجد في جميع دول العالم كتب تقرأ تحت المعطف إلا في الجزائر، فالجزائري يقرأ ما يعرض عليه في المعارض وفي المكتبات ولا يسعى للحصول على ما هو ممنوع قراءته، مع كل المخاطر التي تواكب هذه الرحلة وقد يكون الثمن باهضا ولكن ما المثقف؟

   إذا عدنا إلى التفتق التاريخي سنجد أن فكرة المثقف الملتزم على الأقل، بدأت منذ إميل زولا Emile Zola (كاتب وصحفي فرنسي) فيما يسمى في التاريخ الفرنسي والعالمي، بإعتبار أن فرنسا قد فاضت على قطريتها وأصبحت فرنسا العالمية بفعل الحركة الإستعمارية النرجسية وهكذا لا تكون العقد ملازمة للأشخاص فقط (نرجسية لازالت قائمة إلى اليوم) نعم، فالفرنسيون عندما يتحدثون مازالوا يعتقدون بأنهم مركز العالم بل مركز المجرة وأن لغتهم طاغية وكذلك ثقافتهم بالرغم من أن مصير اللغة الفرنسية أصبح بيد المفرنسين في العالم وبالخصوص في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لأن الأدب الفرنسي أو الفرنكوفوني أصبح يتنفس من هناك- أنا هنا آخذ مسلكا فرعيا في كلامي- أنتجت ما يسمى في الأدب بالواقعية السحرية على طريقة غابرييل غارسيا ماركيز Gabriel García Márquez (روائي كولومبي) وعلى طريقة كتاب آخرين جنوب أمريكيين، على طريقة مولود فرعون (أديب وروائي جزائري) أيضا فلقد أدخل مفهوم ''الطاجين'' ومفهوم ''السداية'' إلى اللغة الفرنسية مع ما يمثل ذلك من إثراء لا مثيل له جعل الفرنسيين يختزلون الزمن حيث كان يمكن أن يحصلوا على ذلك من خلال التثاقف، ولكن بعد لأي طويل وهو ما وقاهم جمرات الترجمة والإنتظار وجعلهم يكسبون وقتا.

   إذن في نهاية المطاف لا ننسى مسألة مهمة جدا وهي أن المثقف عندنا لم يبق حياديا؛ فهو قد دخل اللعبة السياسية، وكنت دائما أتساءل لماذا هناك جزائريون كان يمكن أن تكتب لهم العالمية بحكم الكفاءات والملكات التي كانوا يملكونها ورغم ذلك أسسوا أحزابا وغاصوا فيها وفكروا في لحظة من لحظات الزمن بأنه يمكنهم أن يكونوا منقذين للجزائر والشعب الجزائري، في حين أن الموعد كان في مكان آخر، الموعد مع قدرهم، مع التاريخ، مع الآخر، ومع الخلود. ولكنهم فضلوا طريقا أقصر ودخلوا اللعبة السياسية وتلطخوا بها وأصبح ذلك هو المعروف عنهم فقط، مما جعل شخصيتهم تختزل في الممارسة السياسية ولم يقدموا شيئا في النهاية. لأنه معروف عن النسق السياسي الجزائري بأنه نسق مبني على شرعية ثورية والآن أصبح مبنيا على شرعية مالية، والمثقف لا يملك لا هذه ولا تلك، وحتى إن كان يملك منهما شيئا فهو يملك النزر القليل مما لا يرشحه للعب الأدوار الأولى، لأن وجه المناضل الجزائري هو ليس المناضل المثقف، فهو بالكاد المناضل المتعلم الأبجدي لأن الوجود الفرنسي الإستيطاني في الجزائر لم يسمح أيضا بظهور نخبة مثقفة جزائرية. حتى أولئك الذين فلتوا من عيون الشبكة التي وضعت كمصفاة هو فقط من باب ذر الرماد في العيون، ومن داخل سياسة فرنسية هدفت لإخراج نخبة مزيفة من الشعب الجزائري وجعلها تشارك شكليا صوريا في شرعنة الإستراتيجية الإستيطانية للإستعمار الفرنسي في الجزائر.

   إذن في كل الأحوال لم يكن المثقف الجزائري في موعده مع التاريخ وفي كل مرة كان هناك منعرج أخطأه، مرة بدافع مصلحي شخصي ومرة بدافع مصلحة وطنية، ولكن علينا أن لا ننسى أنه دائما وبمنطوق توماس هوبز Thomas Hobbes (عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي) الدولة دائما غول وهي بمنطوق ماكس فيبر Max Weber (عالم اقتصاد، سياسية وعلم الإجتماع الديني ألماني) تحتكر العنف بكل أشكاله، المادي والرمزي، والمثقف كفرد لا يستطيع أن يجابه، فالسحر (سحر أبيض بطبيعة الحال وليس أسودا) يشتغل لأنه هناك جاذبية للمثقف. أكيد إن أعطيت له الفرصة ليمارسها، فيشتغل هذا السحر إذا وجد المثقف أندادا، أشباها، وهذا ما حدث في فرنسا مع زولا مع ''قضية دريفيس l'affaire dreyfus '' لما اُتُهم هذا النقيب الفرنسي بأنه خان الوطن الأم (فرنسا) لأنه سرب معلومات عسكرية غاية في الخطورة والحساسية للخصم والعدو التاريخي آنذاك ''بروسيا'' وهذا ما فسر به الفرنسيون انتكاستهم أمام ألمانيا في حرب 1871. كتب أنه لم يسرب وأنه اتهم فقط لأصوله اليهودية، معناه أن القضية في نهاية الأمر يمكن أن اختصارها في معاداة السامية وأصبح زولا مقاول، بشكل ما، بفضل مقاله في صحيفة : « Le Monde » " أتهم J’accuse  '' حيث قسم المجتمع الفرنسي إلى كتلتين، كتلة أنصار دريفيس الذين يؤمنون مثل زولا بأن المسألة فقط مسألة عنصرية وبين أعداء ''دريفيس'' الذين يتهمونه بتورطه في عملية الخيانة. ألا يذكرنا هذا في مكان ما بالإنتكاسة العربية عقب حرب 1967 ضد إسرائيل. فنحن أيضا قدمنا تفسيرات سحرية حاولنا من خلالها لملمة شتات هذه الفوضى وسر انهزامنا الذريع، إذن أين ''زولا'' الجزائري؟ وأين هم ''زولات'' الجزائر؟